كتاب مسلسل

ثورة الأوراس 1916 بمنطقة بلزمة بقٍيادة عمر أو موسى ح 18

الحلقة الثامنة عشر

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أ. لخميسي سليماني

 مقدمة

لقد كان الأوراس طيلة العهد الاستعماري معقلا للثورات والانتفاضات، وادي الماء واحدة من المناطق الأوراسية التي شهدت ماوقع في المنطقة سنة 1916كيف لا وهي المنطقة التي تحتضن جبل مستاوةهذا الجبل الذي لطالما كان مقبرة للغزاة وهي المنطقة التي أنجبت بطلا سمي أسد مستاوة ألا،وهو عمر بن موسى عقيني، كما يذكر لنا التاريخ ودونه الفرنسيين في تقاريرهم أن أول رصاصة أطلقت ضد الجنود الفرنسيين خلال ثورة1916  في شهر نوفمبر كانت بقرية تاجنانت ببلدية وادي الماء.

لطالما كانت كل الثورات الشعبية في الجزائر تنسب لأبطالها وقادتها وزعمائها من أحمـد باي إلى عبد القادر إلى بوعمامة والحداد والمقراني وفاطمة نسومر وبن ناصر بن شهرة لكن ثورة 1916، أو انتفاضة الأوراس الثانيةلم تنسب لقائدها، ولم يذكر لنا التاريخ زعيمها وعرابها فظل تاريخ هذا القائد مجهولا إلى يومنا هذا إلا من بعض الشواهد التي تتناقلها الذاكرة الشعبية فالبعض يقول أنه نفي إلى الشام والبعض الأخر يقول أنه التحق بفلسطين، أو تركيا فلما لا نسلط الضوء على تاريخ الرجل وننصفه ونخلد لذكراه.

بعد مرور قرن من الزمان على تاريخ اندلاع ثورة 1916 كان لزاما علينا أن نبحث عن تاريخ هاته المقاومة، وعن قائدها المدعو: عمر أو موسى *عقيني* من عرش لحليمية، وأصيل قرية تاجنانت ببلدية وادي الماء، وهو ثائر من ثوار الأوراس أوبالأحرى أسد مستاوة.

كثير من المؤرخين يرجعون أسباب فشل ثورة 1916 إلى غياب قيادة سياسية وقيادة عسكرية على غرار باقي الثورات،لكن هل يمكن فعلا أن ننسى الدور القيادي الذي لعبه مجموعة من الشخصيات الثورية وعلى رأسهم عمر أو موسى عقيني.

 

1 ـ الأوضاع السياسية والاقتصادية في منطقة وادي الماء قبٍل اندلاع ثورة 1916

قبل الخوض في الأوضاع السياسية والاقتصادية يجب التذكير أن ثورة 1916  بالأوراس لم تكن إلا امتدادا لمقاومات أخرى شهدتها المنطقة مثل انتفاضة 1848، و1871 بجبل مستاوةومنطقة بلزمة، فلابد أن ذاكرة سكان المناطق لم تنس الجحيم والانتقام الذي لحق بالمنطقة كنتائج لهذه المقاومات منسقوط الضحايا وتهجير للعائلات واستيلاء على الأراضي والممتلكات وفرض الضرائب والغراماتومصادرة الأراضي سنة 1903، وما بعدها من أجل إنشاء مستوطنات على أراضيهم في مروانة( كورناي) ووادي الماء (برنال) وسريانة (باستور)، واضطروا أن ينتقلوا إلى غابات بلزمة ولاحقهم حراس الغابات واعتقلوهم وقدموهم للمحاكمة أمام محكمة باتنة التي أصدرت ضدهم أشغالا شاقة مدتها 18 شهرا.

 

1 ـ 1 قانون نزع الأراضي واستحداث البلديات المختلطة في منطقة واد الماء

إن الضغط الاستعماري المتمثل في الضرائب ومظالم القياد وسنوات الجفاف وانتزاع الأراضي،والطرد الجماعي نحو السفوح الجبلية سواء من قبل الإدارة والمعمرين،أو من طرف حراس الغابات، كل هذه العوامل كانت كافية لاندلاع الانتفاضة إلى الثورة والتمرد وفوق هذا كله، فإن الاستياء الكبير الذي انتشر لدى الجزائريينفقد كان لمصادرة أراضي السكان في مطلع القرن العشرين بعين التوتة ووادي الماء ومروانة وسريانة بمنطقة الأوراس لإنشاء مراكز توطين للمهاجرين الأوروبيين، وتأسيس البلديات المختلطة منها بلدية بلزمة عام 1904 لتشجيع الاستيطان الأوروبي، وتقديم المساعدات للمستوطنين الأوروبيين بهدف تثبيت الوجود الفرنسي وتكريس السياسة الاستعمارية وتوالت سياسة نزع الأراضي في كامل أنحاء منطقة الاوراس، لإحداث مراكز استيطانية التي تحولت فيما بعد إلى بلديات كاملة الصلاحيات وبلديات مختلطة.

فعلى سبيل المثال بلدية وادي الماءBERNELLE   أُسست سنة 1899 وألحقت بالبلدية المختلطة بلزمة بمرسوم 27/09/1904 وأصبحت تسمى برنال بموجب مرسوم 28/12/1915، وبلدية مروانة CORNEILLE  بداية من سنة 1900 وكانت بلدية وادي الماء تحصي 254 مستعمر أوروبي ومروانة تحصي 265 مستعمر أوروبي، وقد انتزعت الأراضي من أهلها ومنحت للمعمرين وطرد الأهالي إلى سفوح الجبال،وبناء على قول أجرونAGERON  فان سكان الأوراس قد بدأو منذ سنة 1914 ينادون جهرة باسترجاع أراضيهم، وكانوا يصرون على الرعي في أراضي المعمرين، وفي الغابات ويتوعدون رجال مصالح الغابات والمعمرين بالانتقام في أية فرصة.

 

1 ـ 2 سكان منطقة وادي الماء وقانون التجنيد الإجباري

بحلول سنة 1914 كان الجزائريون يعانون المرض والمجاعات المختلفة، خاصة بعد أن توسع قانون الأهالي وبات الوضع في هيجان، وكانت علامات هذا الهيجان بارزة خاصة في عاصفة قانون التجنيد الإجباري، والشباب الذي كان معنيا بالتجنيد يهرب إلى الجبال وينظم حرب عصابات ضد الفرنسيين، حيث عارض الجزائريون قرار التجنيد لأنهم كانوا يرون فيه مساسا لشخصيتهم الإسلامية، رغم أن النخبة المثقفة قد قبلت مبدأ الخدمة العسكرية لكنها اشترطت أن تمنح للجزائريين الحقوق السياسية والمدنية سواسية مع المعمرين الأوروبيين، بعدما كان الجزائريون الذين يعملون في الجيش الفرنسي يعتبرون كمواطنين يتقاضون أجرا لجأت فرنسا مع بداية القرن العشرين إلى تطبيق مشروع آخر فريد من نوعه لاستنفاذ الطاقات البشرية المتبقية عن سياسة الإبادة والتشريد، وهو تطبيق التجنيد العسكري الإجباري على الجزائريين، حيث أقر مرسوم 03  فيفري 1912  تجنيد الأهالي الجزائريين وأنشأ عروضا خاصة بالعلاوات والمنح، حيث طبقت فرنسا قانون التجنيد الإجباري متجاوزة إطار القوانين الاستثنائية التي كانت تميز الفرنسيين والجزائريين في كل شيء، كما أن ظهور بوادر الحرب العالمية الأولى 1914-1918 قد أدى بدوره إلى إصرار الحكومة الفرنسية على تطبيق هذا الإجراء، حيث كونت لجنة خاصة للنظر في تطبيقه، وكان رد الفعل عنيفا من الجزائريين.

كانت فرنسا في 1916 في أمس الحاجة إلى قوات إضافية، لذلك عزمت على تجنيد الشباب البالغ من العمر 17 سنة، وإرسالهم إلى جبهات القتال في أقرب الآجال، ومن جهة أخرى، أثرًا بالغا في اندلاع الاضطرابات بالمنطقة مماجعل محكمة الجنايات بباتنة تصدر أحكاما متفاوتة على الـمتهمين بالسجنوانتقاما من ذلك، رفض الجزائريون الانصياع لقوانين الـمستعمر، وأعلن الرافضون لقانون التجنيد الإجباري في ديسمبر 1914 بأنهم :”لا يريدون التجنيد ،لا نسلم لكم أبناءنا”.

يقول “ديبون”Depont  أن أول دوار رفض دعوة التجنيد هم أولاد عوف من بلدية عين التوتة وكان تصرفهم هذا خطيرا جدا لأنهم بهذه الطريقة يحرضون غيرهم عن رفض التجنيد الإجباري، وهو ما يهدد الأمن العام ومستقبل فرنسا في الجزائر، وقد شهدت بلديةعين التوتة أحداثا عنيفة في 28 و29 ماي 1912 تاريخ إجراء القرعة الخاصة بالتجنيد حيث لم يحضر المسجلون في قوائم الإحصاء إلى البلدية التي أصبحت مسرحا لمظاهرات أهالي المنطقة وشهدت كذلك منطقة القنطرة في 24 جوان 1912 نفس الأحداث حيث قال أحدهم: “ياحاكم نحن نرفض أن يجند أبناؤنا”، فقد جاء في تقرير المسؤول الإداري:”إن هؤلاء الشاوية عازمون على اللجوء إلى الجبال والثورة على السلطات المحلية إذا طبقت التجنيد الإجباري”.

وقد عبروا فيها على أن قانون التجنيد الإجباري كان:

 

أولا: معاديا للديمقراطية لأنه كان مطبقا على الفقراء فقط.

ثانيا: مهينا للجزائريين لأنه وعدهم تعويضا قدره 250 فرنك وهو تعويض جعلهم يشعرون بأنهم كانوا مرتزقة لا جنودا.

إن السبب الظاهر والمباشر لهذه الانتفاضة هو رفض التجنيد الإجباري للشبان الجزائريين، وذلك عكس ما كانت تتوقعه الإدارة العسكرية من إقبال الناس على التجنيد لا يجاد حلول لمشاكلهم الاقتصادية المتدهورة خلال أعوام 1914-1916، لقد كانت هذه الانتفاضة في كل مناطق الأوراس وخاصة في كل من عين التوتة ونقاوس ومروانة، ووادي الماء، وبريكة وضواحيها كرد فعل جماعي قوي ضد السياسة العسكرية الاستعمارية المتمثلة في قوانين 1907، والمرسوم الصادر في 03 فيفري 1912 حول التجنيد الإجباري للشباب وكذا أعمال التسخير في المزارع والمصانع بفرنسا؛ كما أن الأخطاء التي ارتكبها حكام البلديات ورؤساء الأهالي وحراس الغابات في حق المواطنين قد ساهمت هي الأخرى في إثارة الحساسيات، وأدت إلى بروز العنف الثوري في الأوراس.

 

1 ـ 3 دور الزاوية الرحمانية في ثورة 1916

على غرار دورها الهام والفعال في ثورة 1871  بفعل تأثيرها الديني قام شيوخ الزوايا في كل مناطق الاوراس بعقد اجتماعات سرية لتقديم الدعم والمساندة للثوار وصنعوا تحالفا مع الثوار، ففي ناحية وادي الماء يوجد بها شيخا صوفيا يدعى بوزيد محمد بن الطيب الملقب بمول القرقور كان له دور مهم خلال اندلاع الأحداث بالمنطقة خاصة، وأن زاويته كانت قريبة من الجبل، وهذا بشهادة الفرنسيين في تقاريرهم التي أعقبت الحدث، وفي ناحية عين التوتة يوجد الشيخ بلوذيني وبوهنتالة وفي ناحية نقاوس وبومقر نجد الشيخ بوراضي محمد صاحب البرنوس الأحمر الذي كان حاضرا في الاجتماع الذي عقده عمر او موسى ببومقر تمهيدا للثورة، هذه الشخصيات الدينية كان لها تأثير كبير على المواطنين لتوعيتهم وتجنيدهم، كما ساهمت في جمع التبرعات والأموال لثوار 1916.

وقد اتهمت الزاوية الرحمانية بالتحريض على الثورة ودعم سكان الأوراس وانسجامها مع فطرتهم في النهي عن النكر والأمر بالمعروف، ويرى لويس رين  louis Rinnأن الحركات الدينية كانت تسعى لتوحيد الأهالي تحت سلطة رجال الدين، وأن لهم الفضل الخفي الذي تقوم به الطرقية الإسلامية.

…… يتبع

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.